عالم روسي تحدّى نظرية حيّرت العالم

إعداد – روسيانا
في زمن كانت فيه بعض النظريات العرقية تحاول تقسيم البشر إلى مراتب متفاوتة، اختار عالم روسي أن يسلك طريقاً مختلفاً، قائماً على البحث الميداني والاحتكاك المباشر بالشعوب واحترام ثقافاتها.
كان نيكولاي ميكلوهو-ماكلاي واحداً من أبرز الرحالة والعلماء الروس في القرن التاسع عشر، وقد جمع بين الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا والجغرافيا والعلوم الطبيعية. واشتهر خصوصاً برحلاته الطويلة إلى أوقيانوسيا، حيث عاش بين سكان غينيا الجديدة ودرس حياتهم وعاداتهم ولغاتهم وثقافتهم من خلال الملاحظة المباشرة.
عالم اختار أن يعيش بين السكان
لم يكتف ميكلوهو-ماكلاي بالنظر إلى الشعوب التي درسها من بعيد، بل اتخذ لنفسه أسلوباً ميدانياً مميزاً، إذ رأى أن فهم الإنسان يتطلب الاقتراب منه والعيش في بيئته والتعرف إلى حياته اليومية.
ووصل إلى الساحل الشمالي الشرقي لغينيا الجديدة، الذي عُرف لاحقاً باسم «ساحل ماكلاي»، وأقام علاقات مباشرة مع السكان المحليين. ومع مرور الوقت، تحولت العلاقة من الحذر المتبادل إلى التعاون والثقة، حتى أصبح له حضور مؤثر بينهم.
وساعد السكان في الحصول على أدوات حديدية وبذور لنباتات زراعية، بينما جمع خلال إقامته معلومات واسعة عن طبيعة المنطقة وسكانها ولغاتهم وعاداتهم، إلى جانب عينات نباتية وحيوانية وملاحظات علمية متنوعة.
مواجهة الأفكار العنصرية بالعلم
كان ميكلوهو-ماكلاي من أبرز المنتقدين الروس للنظريات التي ربطت قيمة الإنسان بأصله أو عِرقه، وتمسك بفكرة أساسية تقوم على وحدة النوع البشري وقرابة الشعوب.
وفي وقت كانت فيه بعض التصورات العلمية في أوروبا تنظر إلى شعوب أوقيانوسيا من منظور هرمي، رفض العالم الروسي هذه النظرة، ودافع عن حق الشعوب التي درسها في أن تُفهم ثقافاتها ومجتمعاتها بعيداً عن الأحكام المسبقة.
وتشير الموسوعة الروسية الكبرى إلى أنه كان معارضاً للعنصرية ولنظرية تعدد أصول البشر، كما خاض جهوداً ضد تجارة الرقيق والانتهاكات التي تعرض لها السكان الأصليون.
الدفاع عن سكان غينيا الجديدة
لم يتوقف اهتمامه عند تسجيل الملاحظات العلمية، بل حاول أيضاً استخدام مكانته العلمية للدفاع عن السكان المحليين.
وتذكر المصادر أن تدخله ساهم في منع حملة عقابية كانت تستهدف سكان منطقة في جنوب شرق غينيا الجديدة، كما سعى إلى إيجاد صيغة تحمي السكان من التدخلات الاستعمارية وتحافظ على مصالحهم وحقهم في إدارة شؤونهم.
وكان يؤمن بأن دراسة الشعوب لا تعني السيطرة عليها، بل فهمها واحترام خصوصيتها. ولهذا أصبحت تجربته الميدانية واحدة من العلامات البارزة في تاريخ الأنثروبولوجيا الروسية.
«ساحل ماكلاي» شاهد على رحلته
ترك العالم الروسي أثراً واضحاً في المنطقة التي درسها، حتى إن جزءاً من الساحل الشمالي الشرقي لغينيا الجديدة حمل اسمه، في إشارة إلى المكان الذي ارتبط بأبرز مراحل أبحاثه.
كما بقيت ذكراه حاضرة بين سكان المنطقة، وتناقلت الأجيال المحلية قصصاً عنه، فيما دخلت بعض الكلمات التي ارتبطت بالتبادل بينه وبين السكان إلى الاستخدام المحلي.
وكانت رحلاته أوسع من مجرد دراسة السكان؛ فقد أجرى قياسات جغرافية ومناخية ومحيطية، وجمع عينات نباتية وحيوانية، ووثق مشاهداته بالرسوم والملاحظات، ليقدم صورة علمية واسعة عن البيئة والمجتمعات التي التقى بها.
إرث روسي تجاوز حدود بلاده
أصبح ميكلوهو-ماكلاي مع مرور الوقت أحد الأسماء البارزة في تاريخ الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا الروسية، واستمر تأثيره في المؤسسات العلمية الروسية بعد وفاته.
ويحمل معهد الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية اسمه، كما ارتبط اسمه بعدد من المواقع والكائنات التي حملت تسمية مستوحاة منه. وفي عام 1996، خصصت اليونسكو عاماً للاحتفاء بذكرى ميكلوهو-ماكلاي بمناسبة مرور 150 عاماً على ميلاده.
قصة عالم روسي اختار الإنسان أولاً
لم يكن إرث ميكلوهو-ماكلاي في عدد الرحلات التي قام بها أو المناطق التي استكشفها فقط، بل في الطريقة التي نظر بها إلى الإنسان.
فقد اختار أن يقترب من الشعوب التي درسها، وأن يعيش بينهم ويتعلم منهم ويوثق حياتهم وثقافتهم، رافضاً أن تتحول الاختلافات بين البشر إلى مبرر للتمييز بينهم.
ولهذا بقي اسمه مرتبطاً بصفحة مهمة من تاريخ العلم الروسي، وبقصة عالم حمل من روسيا إلى أقصى المحيط الهادئ رؤية علمية وإنسانية جعلت احترام الإنسان وفهمه جزءاً أساسياً من مشروعه العلمي.




